مجمع البحوث الاسلامية
654
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وجه ، والبائع من وجه . فمن صرف رأس ماله إلى المنافع الدّنيويّة الّتي تنقطع عند الموت ، فتجارته دنيويّة كاسدة خاسرة وإن كان بتحصيل علم دينيّ ، أو كسب عمل صالح فضلا عن غيرهما ، فإنّما الأعمال بالنّيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى . ومن صرفه إلى المقاصد الأخرويّة الّتي لا تنقطع أبدا ، فتجارته رائجة رابحة ، حريّة بأن يقال : فاستبشروا ببيعكم الّذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم . ولعلّ المراد من التّجارة هنا بذل المال والنّفس في سبيل اللّه ، وذكر الإيمان لكونه أصلا في الأعمال ، ووسيلة في قبول الآمال . وتوصيف التّجارة بالإنجاء ، لأنّ النّجاة يتوقّف عليها الانتفاع ، فيكون قوله تعالى : يَغْفِرْ لَكُمْ بيان سبب الإنجاء . وقوله : وَيُدْخِلْكُمْ بما يتعلّق به بيان المنفعة الحاصلة من التّجارة ، مع أنّ التّجارة الدّنيويّة تكون سببا للنّجاة من الفقر المنقطع ، والتّجارة الأخرويّة تكون سببا للنّجاة من الفقر الغير المنقطع ، قال عليه السّلام : « نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس : الصّحّة والفراغ » يعني أنّ نعمتي الصّحّة والفراغ كرأس المال للمكلّف ، فينبغي أن يعامل اللّه بالإيمان به وبرسوله ، ويجاهد مع النّفس لئلّا يغبن ، ويربح في الدّنيا والآخرة ، ويجتنب معاملة الشّيطان ، لئلّا يضيع رأس ماله مع الرّبح . ( 9 : 509 ) العامليّ : [ أورد بعض الرّوايات التّأويليّة فلاحظ ] ( 108 ) أحمد بدويّ : و [ قال : ( تجارة ) ] لأنّ النّكرة لا تدلّ على شيء معيّن ، [ و ] كان استخدامها في بعض المقام مثيرا للشّوق والرّغبة في المعرفة ، كما في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . ( 130 ) الطّباطبائيّ : [ قال بعد تفسير التّجارة عن الرّاغب : ] فقد أخذ الإيمان والجهاد في الآية تجارة رأس مالها النّفس ، وربحها النّجاة من عذاب أليم ، والآية في معنى قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى . . . فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ التّوبة : 111 . وقد فخّم تعالى أمر هذه التّجارة ؛ حيث قال : عَلى تِجارَةٍ أي تجارة جليلة القدر عظيمة الشّأن ، وجعل الرّبح الحاصل منها النّجاة من عذاب أليم ، لا يقدّر قدره . ومصداق هذه النّجاة الموعودة : المغفرة والجنّة ، ولذا بدّل ثانيا النّجاة من العذاب من قوله : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ الصّفّ : 12 . وأمّا النّصر والفتح الموعودان : فهما خارجان عن النّجاة الموعودة ، ولذا فصلهما عن المغفرة والجنّة ، فقال : وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ الصّفّ : 13 ، فلا تغفل . ( 19 : 258 ) مكارم الشّيرازيّ : الدّنيا موضع تجارة أولياء اللّه . جاء في « نهج البلاغة » أنّ الإمام عليّ عليه السّلام قال لرجل كثير الادّعاء والتّملّق ، كان يذمّ الدّنيا كثيرا : « إنّك على خطأ ، إنّ الدّنيا رأس مال كبير ، لأولئك الّذين هم على وعي ومعرفة » . ثمّ أعطى عليه السّلام شرحا لهذا المفهوم من جملته : « الدّنيا متجر أولياء اللّه » ومحلّ تجارة